ابن أبي الحديد
80
شرح نهج البلاغة
وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به ، ولا يطلقون عليه أنه سامع مبصر في الأزل ، لان السامع المبصر هو المدرك بالفعل لا بالقوة . وأما قوله : " متوحد إذ لا سكن يستأنس به ، ويستوحش لفقده " ، ف " إذ " هاهنا ظرف ، ومعنى الكلام أن العادة والعرف إطلاق " متوحد " على من قد كان له من يستأنس بقربه ويستوحش ببعده فانفرد عنه ، والبارئ سبحانه يطلق عليه أنه متوحد في الأزل ولا موجود سواه ، وإذا صدق سلب الموجودات كلها في الأزل صدق سلب ما يؤنس أو يوحش ، فتوحده سبحانه بخلاف توحد غيره . وأما قوله عليه السلام : " أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء " ، فكلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء ، كقوله سبحانه : " لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب " ( 1 ) . وقوله : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " ( 2 ) . وقوله : " بلا روية أجالها " ، فالروية الفكرة ، وأجالها : رددها ، ومن رواه : " أحالها " بالحاء ، أراد صرفها . وقوله : " ولا تجربة استفادها " ، أي لم يكن قد خلق من قبل أجساما فحصلت له التجربة التي إعانته على خلق هذه الأجسام . وقوله : " ولا حركة أحدثها " ، فيه رد على الكرامية الذين يقولون : إنه إذا أراد أن يخلق شيئا مباينا عنه أحدث في ذاته حادثا ، يسمى الاحداث ، فوقع ذلك الشئ المباين عن ذلك المعنى المتجدد المسمى إحداثا . وقوله : " ولا همامة نفس اضطرب فيها " ، فيه رد على المجوس والثنوية القائلين بالهمامة ، ولهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات ، وهذا يدل على صحة ما يقال : أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعرف آراء المتقدمين والمتأخرين ، ويعلم العلوم كلها ، وليس ذلك ببعيد من فضائله ومناقبه عليه السلام .
--> ( 1 ) سورة فاطر 35 . ( 2 ) سورة المائدة 48 .